مصطفى صادق الرافعي
36
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
ووجوه الاختلاف الطبيعي - كاختلاف القراءات في العرب - مما لا تفهم له تلك الطباع المختلفة به وجها ، لأن كل عربي قد ثبت على لحنه في النطق أو القراءة « 1 » فيحسب ذلك الاختلاف مما لا يحتمله الشيء الثابت . ولهذا جاءت بعض روايات عن الصحابة رضي اللّه عنهم تصف نبضا من الشك ربما كانت تضرب به قلوبهم ، حين يسمعون الاختلاف بين قراءة وقراءة حتى يصرف اللّه عنهم ذلك ويربط على قلوبهم ، كما روي عن عمر بن الخطاب ، قال : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كذلك ، فكدت أساوره في الصلاة فصبرت حتى سلّم ، فلما سلّم لبّبته بردائه « 2 » فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها ؟ قال : أقرأنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلت : كذبت ، فو اللّه إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة . فانطلقت به أقوده إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقلت : يا رسول اللّه ، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، وأنت أقرأتني سورة الفرقان . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : اقرأ يا هشام ، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها ، فقال : هكذا نزلت ، ثم قال : اقرأ يا عمر ، فقرأت القراءة التي أقرأني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : هكذا نزلت ، ثم قال : إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منها . فتأمل قوله « ما تيسر » تصب منها شرحا طويلا ، وسنقول في هذه السبعة بعد . ورووا أن عبد اللّه بن مسعود لما خرج من الكوفة اجتمع إليه أصحابه فودّعهم ثم قال : لا تنازعوا في القرآن ، فإنه لا يختلف ولا يتلاشى ولا ينفد لكثرة الردّ . وإنه شريعة الإسلام وحدوده وفرائضه فيه واحدة ، ولو كان شيء من الحرفين « 3 » ينهى عن شيء يأمر به الآخر كان ذلك الاختلاف . ولكنه جامع ذلك كله ، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض ولا شيء من شرائع الإسلام ، ولقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيأمرنا نقرأ عليه فيخبرنا أن كلنا محسن ؛ ولو أعلم أحدا أعلم بما أنزل اللّه على رسول مني لطلبته حتى أزداد علمه إلى علمي ، ولقد قرأت من لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سبعين سورة ، وقد كنت علمت أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان ، حتى كان عام قبض فعرض
--> ( 1 ) انظر تفصيل ذلك في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب . ( 2 ) أي جمع ثيابه عند نحره ، ثم جره ، وذلك ما تقول له العامة « مسك في خناقه » . ( 3 ) أي القراءتين المختلفتين ، وكانوا يكرهون أن ينسبوا القراءات لمن يقرأ بها نظرا لمكان الفطرة اللغوية منهم ، فلما فسدت هذه الفطرة في المتأخرين نسبوا كل قراءة لرأس أهلها كما ستعرفه . روى الجاحظ في الحيوان ؛ قال النخعي كانوا يكرهون أن يقال قراءة عبد اللّه ، وقراءة سالم ؛ وقراءة أبي ، وقراءة زيد وكانوا يكرهون أن يقال : سنة أبي بكر وعمر ، بل يقال : سنّة اللّه ورسوله ، ويقال : فلان قرأ بوجه كذا ، وفلان يقرأ بوجه كذا . ا ه - .